مدخل لدراسة العلوم العسكرية

يمكن تقسيم العلوم العسكرية والمعارف الحربية إلى ثلاثة أقسام كبيرة وهى علوم الأسلحة، وعلم الاستراتيجية، وعلم التكتيك.

الإعلانات

مدخل لدراسة العلوم العسكرية

بقلم: خالد موسى

في خضم الصراعات التي تخوضها أمتنا الإسلامية ضد أعدائها من المحتلين وأعوانهم ممن باعوا دينهم وأوطانهم، فإن ميدان الحرب يُعد من أكبر ميادين الصراع وأكثرها تأثيرا.

وبسبب ما عانته الأمة من تأخر منذ تخلفها عن الثورة الصناعية بأوروبا، وضعف الدولة العثمانية، وصولا إلى سقوطها بشكل كامل، واحتلال أغلب أراضي المسلمين بشكل مباشر وغير مباشر، كان ولابد على أبنائها المخلصين أن يعيدوا الاهتمام بالحرب وفنونها كي يستطيعوا مواكبة الصراع، خصوصا في ظل الحروب الحديثة، وتشعب العلوم العسكرية، وتنوع مجالات الحرب برا وبحرا وجوا، وكثرة الأسلحة والتقنيات المستعملة فيها وتطورها المستمر والسريع. ولذا فإن العناية بدراسة العلوم العسكرية بشكل علمي احترافي، ووضع المناهج الفعالة والمناسبة من أجل تكوين كوادر عسكرية محترفة هو ضرورة حتمية. وكذلك من المهم نشر الروح الحربية والثقافة العسكرية بين عموم الأمة للمساهمة في إستعادة حقوقها، وأراضيها المسلوبة، وشريعتها الغائبة، ورفعا للظلم عن شعوبها المقهورة.

يمكن تقسيم العلوم العسكرية والمعارف الحربية إلى ثلاثة أقسام كبيرة وهى علوم الأسلحة، وعلم الاستراتيجية، وعلم التكتيك.

أولا : علوم الأسلحة

وتشمل التعرف على أنواع الاسلحة المختلفة:

  • الأسلحة الصغيرة: وهي المصممة للاستعمال الشخصي، وتشمل المسدسات، وبنادق الخرطوش، والبنادق الهجومية، والمسدسات الآلية.
  • الأسلحة الخفيفة: وهي الأسلحة التي يمكن استعمالها بواسطة فرد واحد أو فردين وتشمل الرشاشات متعددة الاستعمالات أو الخفيفة، والرشاشات المتوسطة والثقيلة وقواذف القنابل، وقواذف الصواريخ المضادة للدبابات، والصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف، ومدافع الهاون التي يقل عيارها عن ١٠٠ملم.
  • الأسلحة الثقيلة: وتشمل باقي الأسلحة مثل مدفعية الميدان، والمدفعية ذاتية الحركة، وراجمات الصواريخ، و مدافع الهاون ذات العيار الأكبر من ١٠٠ملم والدبابات، والطائرات، والصواريخ أرض أرض وأرض جو وأرض سطح وسطح سطح وسطح جو بمختلف أنواعها.

ويمكن أيضا تصنيف الأسلحة تبعا لتخصصها، فهناك سلاح الطيران، وسلاح المدفعية وسلاح الدفاع الجوي، وسلاح البحرية، وسلاح المدرعات، وسلاح المشاة، وسلاح المهندسين. كما تُقسم الأسلحة تبعا لتأثيرها إلى أسلحة استراتيجية، وهي الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، ووسائل إيصالها من الصواريخ الباليستية والقاذفات بعيدة المدى والغواصات، وباقي الأسلحة تعتبر أسلحة تكتيكية.

وتهتم علوم الأسلحة بمعرفة كيفية عمل الأسلحة المختلفة وطرق استعمالها والتقنيات الداخلة في تصنيعها ومواصفات كل سلاح من الناحية التكتيكية والتقنية.

وهناك العديد من المصادر الموثوقة للمعاهد والمؤسسات الغربية، والكتب والمراجع الصادرة عنها تتناول معظم الأسلحة الموجودة في العالم، إن لم تكن كلها تقريبا بمختلف تفاصيلها ومواصفاتها التقنية والتكتيكية. ومن أشهر هذه المصادر كتب Jane’s التي تتناول كل نوع من الأسلحة في مرجع منفصل يتم تحديثه سنويا، أو كل بضع سنوات. فهناك مرجع للطائرات الحربية بمختلف أنواعها التي تنتجها جميع دول العالم. وهناك مرجع للمركبات المدرعة ومرجع لأسلحة الدفاع الجوي ومرجع للسفن الحربية وهكذا بالإضافة إلى دليل التعرف على الأسلحة الذي يصدره الجيش الأمريكي، والذي يتناول جميع الأسلحة في جميع دول العالم بالإضافة إلى الأسلحة الأمريكية المصدرة، كما توجد العديد من المواقع والمصادر الالكترونية التي تتناول الأسلحة ، مع مراعاة البحث في المواقع الجادة والمشهورة بمصداقيتها ودقة معلوماتها.

ثانيا : علم الاستراتيجية

هناك عدة تعريفات للاستراتيجية من أهمها:

تعريف كلاوزفيتز: التكتيك هو استخدام القوات العسكرية في المعركة، أما الاستراتيجية هي نظرية استخدام هذه المعارك لكسب الحرب.

تعريف جوميني: هي فن القيام بالحرب على الخريطة والإحاطة الكاملة بمسرح العمليات.

تعريف ليدل هارت: هي فن استخدام القوات العسكرية لتحقيق الأهداف التي وضعتها القيادة السياسية.

تعريف بوفر: هي فن استخدام القوة لتقوم بأكبر إسهام في اتجاه تحقيق الغايات التي وضعتها السياسة.

تعريف ماو تسي تونج: هي دراسة قوانين الحرب ككل.

يناقش علم الاستراتيجية العديد من الموضوعات مثل: اختيار مسرح الحرب ومناقشة التوليفات المختلفة التي يقدمها هذا الاختيار، ذكر النقاط الحاسمة في هذه التوليفات واتجاه العمليات الأكثر تفضيلا، واختيار وإنشاء القاعدة الثابتة ومسرح العمليات، اختيار النقطة المستهدفة سواء في الهجوم أو الدفاع، الجبهات الاستراتيجية وخطوط الدفاع وجبهات العمليات، اختيار خط العمليات المؤدي إلى نقطة مستهدفة أو إلى جبهة استراتيجية في عملية محددة، ما هو أفضل خط استراتيجي، والطرق المختلفة اللازمة لاحتواء جميع الاحتمالات الممكنة، قواعد العمليات اللاحقة والاحتياطي الاستراتيجي، مسير الجيوش باعتبار طرقها ووسائلها، والعلاقة بين أماكن المستودعات ومسيرة الجيش، والتقسيمات الفردية وتجزئة القوات .

هناك أيضا بعض النقاط ذات طبيعة مشتركة بين الاستراتيجية والتكتيك مثل: المفاجأة   – الانسحاب – عبور الموانع المائية – العمليات في الجبال – الإنزالات، وغيرها، فهذه النقاط يرجع كيفية أدائها إلى علم التكتيك، أما المبدأ والتنظيم فيرجع إلى علم الاستراتيجية.

يناقش أيضا علم الاستراتيجية موضوعات مثل العلاقة مع المستوى السياسي، وتأثير الأوضاع السياسية والعلاقات الدولية على العمل العسكري والعلاقة بينهما، وتأثير وعلاقة موضوعات مثل الاقتصاد والاجتماع  والتقنية على العمل العسكري والأمور الاستراتيجية الأخرى.

حدد كلاوزفيتز عناصر الاستراتيجية كالتالي:

  • معنوية: الصفات والتأثيرات العقلية والنفسية.
  • مادية: حجم القوات المسلحة وتشكيلها وتسليحها.
  • رياضية: خطوط وزوايا العمليات.
  • جغرافية: تتضمن تأثير الأرض.
  • إحصائية: الإسناد والإدامة.

إذن فعلم الاستراتيجية يناقش  كيفية التخطيط للحرب ككل، وسبل تحقيق القائد للنصر في الحرب.

أبرز كاتبين وضعا أساس علم الاستراتيجية في العصر الحديث، هما كارل فون كلاوزفيتز وهنري جوميني، وهما من معاصري حروب نابليون بونابرت، ويضاف إليهم ثلاثة يعتبروا من أهم من كتبوا في اسس الاستراتيجية في القرن العشرين وهم ليدل هارت، و أندريه بوفر، و ج.ف.س. فولر.

ويمكن تصنيف الكتب التي تتناول علم الاستراتيجية إلى ٣ أقسام:

النوع الأول: وهو الذي يتناول المبادئ والقواعد الشاملة لعلم الاستراتيجية،  وأهم هذه الكتب: «عن الحرب» للبروسي كلاوزفيتز – «مختصر فن الحرب» للجنرال الفرنسي ثم الروسي جوميني (ليس له علاقة بكتاب صن تزو) – «تاريخ الاستراتيجية» و«نظرية التقرب غير المباشر» لليدل هارت الإنجليزي – «مقدمة في الاستراتيجية» لبوفر.   

النوع الثاني : وهي الكتب التي تتكلم عن قضية أو موضوع واحد من مواضيع الاستراتيجية، مثل الكتب التي تتناول استراتيجية الحروب .في ساحة معينة مثل الجبال أو الصحراء أو التي تتناول اللوجستيات وهكذا

النوع الثالث : الكتب التي تدرس حربا معينة أو حروب معينة من الناحية الاستراتجية مثل الدراسات التي تناولت حروب الخليج مثل الحرب الصليبية الثامنة للفريق سعد الشاذلي أو غيره من الكتب أو التي تناولت حرب لبنان أو الحروب العالمية وغيرها، وتعتني تلك النوعية من الكتب باستخراج الدروس الاستراتيجية عبر نماذج تطبيقية .

والاستراتيجية هي أعلى سلم العلم العسكري، ولذا حتى يمكن تصور موضوعاتها وفهمها بشكل سليم وتحقيق الاستفادة منها بشكل كامل لابد من أن تكون معرفة الدارس وخبراته في علوم الأسلحة والتكتيك على مستوى مناسب يؤهله لدراسة واستيعاب العلم بشكل حقيقي.

ثالثا : علم التكتيك

وقد قسمه جوميني إلى قسمين وهما:

أولا : التكتيك الكبير ( المستوى العملياتي):
وهو فن تحريك القوات على أرض المعركة وتنظيمها وترتيبها والتعامل مع  أحداث القتال على الأرض.

ويعنى هذا العلم بمهام قادة الفرق والألوية في الجيوش، والذين يتولون مسئولية القيادة الميدانية في أرض المعركة وكل ما يتعلق بكيفية أداء الدور المنوط بهم يندرج تحت هذا القسم.

وهذا الصنف كما تقدم به بعض الموضوعات المشتركة مع الاستراتيجية مثل المفاجأة والانسحاب والقتال في الجبال و عبور الموانع المائية وتأثيرها على المعارك والإنزالات البحرية والجوية وغير ذلك من الموضوعات. وقد تقدم أن المبدأ والتنظيم لهذه الأمور تناقشه الاستراتيجية والأداء نفسه يرجع إلى التكتيك .

وأيضا مستوى القيادة و المعارف المطلوبة مختلف كليا فقيادة فرقة أو لواء في جبهة محددة ولمهمة محددة تختلف كليا عن مستوى الاستراتيجية التي تخطط للحرب ولمسرح الحرب ككل وتتناول كل الجوانب التي تقدم ذكرها .

ثانيا : تكتيك الأفرع المختلفة للقوات المسلحة (المستوى التكتيكي):

هو ما يقصد به كيفية أداء الوحدات الأصغر من الأفرع المختلفة لمهمتها بشكل متخصص، مثل تكتيك المدفعية الذي يُقصد به كيفية ترتيبها وتحركها والمناورة بها وكيفية ترتيب الرمي وكثافته وشكله وكيفية التوجيه و أساليبه واستعمالات كل ذلك في مختلف ظروف المعركة، وتكتيك القوات الجوية الذي يُقصد به كيفية المناورة بالطائرات وترتيب وشكل الطيران للمهمات المختلفة و كيفية استعمال الأسلحة الجوية والأسلوب الأمثل لاستخدام كلا منها في ظروف المعركة المختلفة. تكتيك المدرعات والذي يُقصد به كيفية ترتيب وتنظيم الدبابات والتحرك بها في الهجوم أو الدفاع و أشكال المناورة المختلفة في مختلف الظروف والاستخدام الأمثل لها ولأسلحتها في ساحة المعركة. وكتكتيك المشاة (أحيانا يُسمى التكتيك العام في مقابل التكتيك الخاص للأفرع، لأن المشاة هم أصل الجيش والمعركة) ، ويُقصد به جميع مهام المشاة بداية من التمركز والانتشار والمسير والترتيبات المختلفة في الهجوم والدفاع وأساليب الكمائن والاغارات بشكل عام. فالقوات الخاصة هي نخبة المشاة ولذا تكتيكاتها تعتبر تطوير بمستوى أعلى لتكتيكات المشاة مع اختيار أفضل الأفراد لأدائها. وهكذا أيضا هناك تكتيك خاص لقوات الدفاع الجوي المختلفة وللقوات البحرية و لباقي الأفرع و تندرج جميع المعارف فيها تحت التعريف السابق ذكره وهو كيفية أداء المهمة بشكل متخصص بالنسبة لكل نوع وفرع من القوات.

وفي الأصل فإن علم التكتيك يدرس من كتب دليل الميدان التي تصدر عن الجيوش النظامية، ومع عصر ثورة المعلومات أصبح هناك العديد من الكتاب خصوصا الأجانب الذين يصدرون كتبا تتناول التكتيك الخاص بكل فرع من القوات.

بعد هذه الاطلالة على أقسام العلوم العسكرية يتبقى لنا إدراك أن المعارف المطلوبة لكل شخص تختلف باختلاف رتبته وامكانياته وموقعه فهناك مقولة معتمدة تقول (إن كل قائد جيد هو جندي ممتاز وليس العكس) فالجندي الممتاز لكي يصبح قائد لابد من امتلاكه لشيئين وهما:

سمات شخصية: مثل الشجاعة والثبات، وهدوء الأعصاب، والقدرة على اتخاذ القرار في كل الظروف، وتحمل الضغوط المختلفة، وعدم التأثر بها، وهذه السمات الشخصية يمكن أن تكون فطرية وتُنمى بالممارسة أو تُكتسب عن طريق الخبرة.

سمات فكرية: مثل الذكاء بمجالاته، وأنواعه والعلم العسكري والبديهة واليقظة وملاحظة التفاصيل والربط بينها. وهذه السمات أيضا يمكن أن تكون فطرية تُنمى بالدراسة، ويمكن أن تكون مكتسبة عن طريق التعلم.

اختلف العديد من المنظرين حول الصفات اللازمة للقائد، هل هى فطرية تماما لا يمكن اكتسابها على الإطلاق بل تنميتها وفقط؟ أم يمكن اكتسابها بالتعلم والممارسة والخبرة؟ ومما لا شك فيه أنه حتى في طريق الاكتساب لابد من وجود أصل الصفة ولو بنسبة قليلة حتى يمكن أن تظهر في الشخص.

ولابد أيضا أن ندرك اختلاف مستويات القيادة، وبالتالي ليس كل القادة يصلحون لجميع المستويات، فهناك قادة بارعون في مستويات القيادة الصغرى على مستوى الفصائل والسرايا والكتائب، ولكن لا يستطيعون تولي قيادة فرقة أو لواء يتولى جبهة كاملة أو معركة مستقلة. وأيضا هناك من القادة من يكون بارعا على  المستوى العملياتي، ولكن لا يصلح للقيادة على المستوى الاستراتيجي والقيادة العليا.

هناك نقطة أخرى هامة وهي التفريق بين المتخصص في العلوم العسكرية سواء كان جنديا أم ضابطا، وبين المثقف فهناك اختلاف بين الدور والعلم والمعرفة والأداء بين المثقف في الشؤون العسكرية الذي يكون مهتم بالقراءة والإطلاع في العلم والعسكري بشكل عام ومتابعة الشؤون العسكرية ويكون دوره  نشر الاهتمام والوعي وبيان أهمية الدور العسكري، وبين الضباط والجنود الذين يملكون التجربة الحقيقية والمعرفة والعلم المتخصص والمفصل، وأدوارهم التي يؤدونها سواء في القتال أو في التدريس والتدريب والإعداد.

أخيرا بعد كل ما ذكرناه، فلينظر الراغب في دراسة العلوم العسكرية ما هو هدفه وغرضه من الدراسة، وما هو دوره المفترض في الواقع؟.  ثم يحدد ما هي العلوم التي ينبغي عليه دراستها، وكيفية تحصيلها مع مراعاة الأمور المشتركة في دراسة أي علم من التدرج والصبر والممارسة والهِمَّة واختيار المصادر المناسبة وغيرها من الأمور اللازمة لدراسة أي علم.


: يمكنكم تحميل المقال ملف pdf  على هذا الرابط

مدخل لدراسة العلوم العسكرية

المراجع :

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s