مفهوم تكتيك الدفاع متعدد الخطوط وكيفية التعامل معه

من دروس الحرب السورية: تكتيك الدفاع متعدد الخطوط وكيفية التعامل معه

بقلم: خالد موسى

لوحظ في الحرب السورية خصوصا معركتي حلب و حماة الأخيرتين تطور تكتيك الدفاع لدى ميليشيات الأسد وإيران ضد هجوم الثوار على مواقعهم فلكي تواجه أسلوب الثوار والمتمثل في الهجوم عبر شن قصف تمهيدي بالمدفعية والرشاشات الثقيلة يتبعه تفجير بسيارات مفخخة على النقاط القوية التحصين في خط الدفاع ثم الاندفاع عبر مجموعات إقتحامية لاستغلال الارتباك نتيجة الانفجار الكبير للمفخخات. لذا قامت الميليشيات التابعة للأسد بتنظيم دفاعها على عدة خطوط واحتفظت بقوة الدفاع الرئيسية في الخط الأخير لكي تتمكن من الحفاظ عليها من التدمير في بداية المعركة ثم لتستعملها في الهجوم المضاد بعد امتصاص زخم هجوم الثوار.

هذا التكتيك لا علاقة له باستراتيجية الدفاع بالعمق لأن استراتيجية الدفاع بالعمق يقصد منها استغلال مساحة الأرض الكبيرة للبلد والانسحاب أمام القوة المهاجمة الكبيرة وتجنب المعركة معها، ومن ثم العمل على خطوط مواصلاتها وامدادها عبر العمليات الصغيرة والاستمرار في ذلك حتى انهاك الجيش المتقدم من الناحية اللوجستية ثم تنفيذ هجمات مضادة لتدميره بعد ذلك عند وجود الظروف المناسبة للمدافع و هذه الاستراتيجية لها شروط لكي تحقق النجاح:
أولا: أن يكون خط التراجع طويل جدا، أي له مسافة كبيرة للغاية.
ثانيا: أن تكون الأرض المنسحب منها قليلة أو منعدمة الفائدة الاقتصادية.
ثالثا: أن يكون الشعب مخلص ومحب للقتال.
رابعا: أن تكون الظروف الجوية قاسية جدا.

وهذه الاستراتيجية لها نقطتي ضعف، إحداهما أنها تتطلب الحفاظ على الجانب المعنوي من الانهيار سواء للشعب أو القوات نتيجة الانسحاب أمام الهجوم فضلا عن الخسائر الاقتصادية التي قد تتكبدها البلد نتيجة الانسحاب وترك الموارد للعدو وتشتهر روسيا بتطبيق هذه الاستراتيجية سواء أمام غزو نابليون او هتلر.

التكتيك المتبع في الدفاع من قبل ميليشيا الأسد والميليشيات الايرانية

تنظيم الدفاع في عدة خطوط وترك الخطوط الأمامية والتماس مع الثوار في حالة ضعيفة أو متوسطة على أقصى تقدير، وعند هجوم الثوار يتم الدفاع إلى حد معين لا تحدث خلاله خسائر كبيرة في القوات الرئيسية المسئولة عن الدفاع ثم يتم الانسحاب التدريجي من الخطوط الأمامية لامتصاص زخم الهجوم ثم بعد استهلاك زخم الهجوم يتم الدفع بالقوات الرئيسية المسئولة عن الدفاع عبر الضغط على أجناب الثوار بالقوات البرية وعلى مؤخرتهم عبر الطيران مما يؤدي إلى انسحابات سريعة خشية التطويق وبسبب عدم تدمير قوات العدو الرئيسية في الهجوم، والركون إلى اكتساب بعض الأرض بعد استهلاك زخم القوات المهاجمة في الاستيلاء عليها وتطهيرها.

كيفية التعامل مع هذا التكتيك

أولا: الاستطلاع المسبق قبل المعركة لتحديد خطوط دفاع العدو، وأماكن تمركز أسلحته الثقيلة، ومكان القوة الرئيسية المدافعة وطرق الإمداد والانسحاب بالنسبة للعدو والطرق المحتملة لتطويق الهجوم أو الالتفاف عليه.
ثانيا: تقسيم القوات في الهجوم لعدة أنساق قد تصل إلى ثلاثة أنساق أو حسب شكل دفاع العدو ويتم الاستعانة بهم كما سنوضح في المثال القادم والاحتفاظ باحتياطي مناسب يعتمد على سرايا م.د. وسرايا مدرعة وقناصة لمواجهة الهجوم المضاد للعدو إذا تم بطريق الالتفاف.
ثالثا: دور المدفعية في الهجوم يتكون من التمهيد الناري المبدئي ثم قطع خط انسحاب وإمداد العدو بين خطوطه بأسلوب السدود النارية أثناء الهجوم على الخط الأول ثم تكرار هذا الأسلوب عند الهجوم على الخط الثاني لدفاع العدو.
رابعا: هدف الهجوم هو الوصول لقوة العدو الرئيسية المدافعة وتدميرها بأسرع وقت وليس الاستيلاء على الأرض والخطوط الدفاعية الامامية.
خامسا: دور عمليات القوات الخاصة
المتمثل في الإغارة والتسلل خلف خطوط العدو في مرحلة التمهيد للهجوم، ومهاجمة مراكز القيادة والمؤخرة وفي عمل الكمائن لصد محاولات الالتفاف المحتملة.

خطة وترتيب المعركة

لابد أن تكون الأولوية دائما لاستخدام تكتيك الالتفاف والهجوم من الجانب أو تكتيك التطويق والهجوم على مؤخرة العدو، وغالبا ما يتطلب تحقيق الظروف المناسبة لاستخدام هذا التكتيك مجموعة من المناورات و التحضيرات قبل المعركة، وقبل كل هذا يتطلب أن تكون هناك استراتيجية للعمليات لكل ساحة الحرب تقود التنظيم التكتيكي للمعارك بصورة مناسبة للمتغيرات المختلفة على أرض الحرب.

أغلب المعارك الهجومية لقوات الثوار تتم من التماس المباشر مع العدو بتكتيك المعركة الجبهوية لذا سنحاول تطبيق المثال المذكور على هذه الظروف كونها الأكثر شيوعا في ساحة الحرب السورية مع عدم إغفال أنها ليست الطريقة المثلى لخوض المعارك كما تقدم وجدير بالذكر أن الأسلوب التكتيكي يكون خاضعا للاستراتيجية بمعنى أن الاستراتيجية المتبناة من قبل قيادة الثوار هي التي تحدد الأساليب التكتيكية للمعارك، وهذا من ضمن نقاط الضعف في الثورة السورية وهي عدم وجود استراتيجية واضحة للعمل العسكري بالرغم من طول فترة الحرب.

عند استخدام الهجوم الجبهوي من الضروري اتباع تكتيك دق الإسفين عبر نقطة أو اثنين على الأكثر في جبهة العدو وصولا لتدمير قوته الرئيسية، وعدم استخدام الهجوم الجبهوي الواسع على كل الجبهة، وأيضا تطوير الهجوم بأكبر سرعة ممكنة لتدمير القوة الرئيسية وعدم الانشغال بالقوات الثانوية للعدو وتطهيرها تماما والاكتفاء بتأمين الحماية لقوات الهجوم من القوات الثانوية للعدو ويتم تحديد نقاط الخرق المحتملة المناسبة لدق الإسفين عبر المعلومات المتوفرة قبل المعركة سواء من الاستخبارات او الاستطلاع والرصد المباشر.

مثال توضيحي

في هذا المثال ستكون منطقة العدو المفترض الاستيلاء عليها طول جبهتها 5 كم وعمق المنطقة يصل إلى8 كم ويوجد طريق يبعد عن ميمنة العدو حوالي 3 كم وطريق الإمداد والانسحاب للعدو في مؤخرة المنطقة وينظم العدو دفاعه في ثلاثة خطوط جبهوية.
يقع الخط الأول منها على بعد 100 م من منطقة التماس ويتكون من ساتر ترابي ونقاط مراقبة من 5 ل 10 أفراد ومزودة بأسلحة اشتباك ( بنادق ,اربيجي , رشاشات خفيفة ) ويوجد عدد 3 رشاش متوسط 12.7 مم في قلب خط الجبهة يفصل بين كل نقطة 250 إلى 300 م.

الخط الثاني يقع على مسافة 2 كم من الخط الأول ويتكون من تمركزات متنوعة في العدد من القوات المدافعة ومزودة بقواعد صواريخ م.د.م. و رشاشات متوسطة 12.7 مم و قناصة وهاونات خفيفة 60 مم .

الخط الثالث ويقع على مسافة 3 كم من الخط الثاني و على مسافة 5100 م من خط التماس ويتكون من القوة المدرعة الرئيسية المدافعة ومن مدفعية الميدان وهاونات متوسطة وثقيلة ويكون مركز قيادة المنطقة ومؤخرة القوات على مسافة 500 م من خط الدفاع الأخير.

1

مخطط عام لشكل ميدان المعركة

  1. قوات الهجوم الخاصة بنا.
  2. خط الدفاع الأول للعدو.
  3. خط الدفاع الثاني للعدو.
  4. خط الدفاع الثالث للعدو.
  5. قيادة العدو ومؤخرات المنطقة.
  6. طريق الإمداد والانسحاب.
  7. طريق محتمل للالتفاف.

طبقا للمثال السابق سنقوم بتقسيم قواتنا إلى 4 أفرع رئيسية وهي قوات المشاة وقوات المدفعية والقوات الخاصة والقوات المدرعة وسيكون ترتيب المعركة على 3 انساق هجومية وقوة احتياط وقوة مدفعية.
تقسم القوات بالتساوي إلى أربعة أقسام متساوية ( 3 أنساق هجومية وقوة احتياط )مع مراعاة توزيع الأسلحة حسب المهمة كالتالي:

  • مهمة النسق الأول:
    فتح ثغرة عرضها 500 م في خط الدفاع الأول للعدو مع تأمين رأس جسر بعمق من 500 م إلى 1000 م داخل منطقة العدو خلف خط الدفاع الأول للعدو ثم تكون بمثابة احتياط لقوات النسق الثاني كمهمة ثانوية تالية.
  • مهمة النسق الثاني:
    تطوير الهجوم باتجاه خط الدفاع الثاني للعدو مع فتح ثغرة فيه بعرض 500 م إلى 1000 م وتأمين رأس جسر بعمق من 1000 م إلى 1500 م داخل منطقة العدو خلف خط الدفاع الثاني للعدو ثم تكون بمثابة احتياط لقوات النسق الثالث كمهمة ثانوية تالية.
  • مهمة النسق الثالث:
    هو الاندفاع عبر الممر المفتوح في دفاعات العدو نحو القوة الرئيسية المدافعة والاشتباك معها وتدميرها والاستيلاء على مركز قيادة العدو ومؤخراته.
  • مهمة قوات الاحتياط:
    المهمة الرئيسية لقوات الاحتياط في هذه المعركة هي مواجهة الالتفاف المحتمل لقوات العدو على قواتنا المهاجمة من الطريق المحتمل للالتفاف المتواجد على ميمنة العدو وميسرة قواتنا وتأمين خطوط انسحاب وإمداد قواتنا كمهمة ثانوية.

لذا يراعى عند توزيع الأسلحة على أقسام القوات التالي:
أولا: القوة المدرعة توزع بنسبة من 50 ل 60 % للنسق الثالث ونسبة 20 % لقوات الاحتياط ونسبة من 10 ل 15 % على كلا من النسق الأول والثاني.
ثانيا: أسلحة م.د. خصوصا الموجهة يراعى تركيزها مع قوة الاحتياط وقوات النسق الثاني.
ثالثا: توزع سرايا القوات الخاصة على كل الأقسام الأربعة مع مراعاة تركيزها في قوة الاحتياط إلا أن كانت جغرافيا المنطقة تحتاج لعمل القوات الخاصة فيتم توزيعها حسب الحاجة التكتيكية لتنفيذ مهمة كل نسق من القوات.

مهمة قوات المدفعية

أولا: التمهيد النيراني المبدئي للمعركة
ثانيا: أثناء هجوم قوات النسق الأول تقوم بعمل قصف بتكتيك السد النيراني على المنطقة الواصلة بين خط الدفاع الثاني وبين الثغرة التي تقوم بتنفيذها قوات النسق الاول و يكون عرض السد النيراني المطلوب من 200 إلى 500 م وبعمق من 100 إلى 200 م على مسافة من 100 إلى 300 م أمام الخط الدفاعي الثاني للعدو
ثالثا: أثناء هجوم قوات النسق الثاني يتم عمل سد نيراني على المنطقة الواصلة بين خط الدفاع الثالث للعدو وبين منطقة عمليات قوات النسق الثاني ويكون عرض السد النيراني المطلوب من 300 إلى 600 م وبعمق من 100 إلى 200 م على مسافة من 500 إلى 800 م أمام الخط الدفاعي الثالث للعدو.
.رابعا: تقديم الدعم النيراني لقوات الاحتياط عند الحاجة وتقديم الدعم النيراني لحماية مجنبات قوات النسق الأول والثاني عند الحاجة.

2

المرحلة الأولى من الهجوم

  1. قوات النسق الأول.
  2. السد الناري أمام خط دفاع العدو الثاني.

3

المرحلة الثانية من الهجوم

    1. قوات النسق الأول.
    2. قوات النسق الثاني.
    3. السد الناري أمام الخط الدفاعي الثالث للعدو.

4

المرحلة الثالثة من الهجوم

تبدأ المعركة بتمهيد القوات الخاصة عبر التسلل والإغارة خلف خطوط العدو ثم التمهيد المدفعي الابتدائي الواسع على عرض الجبهة كلها يليه هجوم قوات النسق الاول على نقطة أو اثنين المحتملين للخرق طبقا للخطة و بعد تنفيذ مهمتها الرئيسية يتم تطوير الهجوم عبر دفع قوات النسق الثاني لتنفيذ مهمتها الرئيسية وبعدها يتم دفع قوات النسق الثالث لتدمير قوة العدو الرئيسية مع .إمكانية دعمها بقوات من النسق الاول والثاني حسب الحاجة

وحسب ظروف المعركة وأوضاع القوات ويراعى تنسيق عمل المدفعية مع قوات الأنساق المختلفة لضبط توقيت ومكان السدود النارية بما يتوافق مع الخطة وقد يتم الهجوم المضاد من قبل العدو قبل الوصول للقوة الرئيسية له وتدميرها سواء عبر الالتفاف أو عبر مواجهة القوات المهاجمة بصورة مباشرة ويراعى تلقين قادة الأنساق خطة التعامل مع الهجوم المضاد قبل المعركة مع خطط الهجوم والانسحاب والمهمات الرئيسية والثانوية.

ملاحظات هامة

طبيعة الأرض تحكم كثير من الأمور التكتيكية السابق ذكرها مثل توزيع القوات والأسلحة وشكل وأسلوب الهجوم وتوقيت وسرعة الخطة ومراحلها المتعددة.

حجم قواتنا وقوات العدو والأسلحة المتوفرة لكلا الطرفين وتقييم القوة العسكرية والوضع العسكري بشكل عام هو ما يحدد شكل المعركة إلى حد بعيد لذا كما ذكرنا سابقا ضرورة بناء الاستراتيجية العسكرية أولا قبل التطرق للتفاصيل التكتيكية والمستويات الأدنى من التخطيط فلا يمكن للتكتيك إصلاح ما أفسدته الاستراتيجية على الإطلاق ولكننا نناقش في مقالنا الموضوع من الجانب التكتيكي فقط.

ذكرنا النموذج السابق كمثال تطبيقي لتقريب كيف تتم عملية بناء الخطة والتعامل مع أساليب دفاع العدو وليس المقصود هو طرح قالب جامد ولكن المطلوب هو تنمية القدرة على تطبيق القواعد التكتيكية والعملياتية على أرض المعركة الفعلية بحيث يحدث التوازن بين العلم العسكري المستقى من التجارب والحروب في الأصل وبين متطلبات المعركة الحقيقة فحين يحدث إهمال لأي طرف من هذين يكون الفشل في المعركة هو الاحتمال الأكبر.

التدريب المسبق للقوات عبر المناورات والمشاريع التدريبية من ضروريات الإعداد ويزيد من احتمال النجاح إلى حد كبير و تبين المشاكل أو النواقص لدينا في أي جزء من الخطة قبل المعركة الحقيقة مما يمكننا من تقليل نسب الفشل والمشكلات في المعركة الفعلية.

يلاحظ عدم الاهتمام بتفعيل دور القوات الخاصة سواء قبل أو أثناء أو بين المعارك بالنسبة للثوار ولابد من تدارك ذلك وهذه الملاحظة مما تستغرب لأن عمل القوات الخاصة هو تطور لتكتيكات حرب العصابات المفترض أنها تكون متبناة من قبل مجموعات الثوار في مواجهة القوات النظامية حتى لو تطورت معاركهم لمعارك شبه نظامية ونظامية.

في النهاية نقول أن دور القيادة العسكرية في الحرب بصورة رئيسية هو وضع الاستراتيجية والخطط الملائمة لكل المستويات ولذا لابد من العناية بمتابعة العدو من جميع النواحي ومتابعة تطورات أساليبه وقوته وتغيير أنماط عمله ووضع الخطط المضادة لذلك وتطويرها على الدوام فالحرب عمل ديناميكي ويتضمن تفاعل متبادل بيننا وبين العدو بشكل مستمر حتى نهاية الحرب بشكل حاسم.

 

رابط تحميل

من دروس الحرب السورية: تكتيك الدفاع متعدد الخطوط وكيفية التعامل معه

مدخل لدراسة العلوم العسكرية

يمكن تقسيم العلوم العسكرية والمعارف الحربية إلى ثلاثة أقسام كبيرة وهى علوم الأسلحة، وعلم الاستراتيجية، وعلم التكتيك.

مدخل لدراسة العلوم العسكرية

بقلم: خالد موسى

في خضم الصراعات التي تخوضها أمتنا الإسلامية ضد أعدائها من المحتلين وأعوانهم ممن باعوا دينهم وأوطانهم، فإن ميدان الحرب يُعد من أكبر ميادين الصراع وأكثرها تأثيرا.

وبسبب ما عانته الأمة من تأخر منذ تخلفها عن الثورة الصناعية بأوروبا، وضعف الدولة العثمانية، وصولا إلى سقوطها بشكل كامل، واحتلال أغلب أراضي المسلمين بشكل مباشر وغير مباشر، كان ولابد على أبنائها المخلصين أن يعيدوا الاهتمام بالحرب وفنونها كي يستطيعوا مواكبة الصراع، خصوصا في ظل الحروب الحديثة، وتشعب العلوم العسكرية، وتنوع مجالات الحرب برا وبحرا وجوا، وكثرة الأسلحة والتقنيات المستعملة فيها وتطورها المستمر والسريع. ولذا فإن العناية بدراسة العلوم العسكرية بشكل علمي احترافي، ووضع المناهج الفعالة والمناسبة من أجل تكوين كوادر عسكرية محترفة هو ضرورة حتمية. وكذلك من المهم نشر الروح الحربية والثقافة العسكرية بين عموم الأمة للمساهمة في إستعادة حقوقها، وأراضيها المسلوبة، وشريعتها الغائبة، ورفعا للظلم عن شعوبها المقهورة.

يمكن تقسيم العلوم العسكرية والمعارف الحربية إلى ثلاثة أقسام كبيرة وهى علوم الأسلحة، وعلم الاستراتيجية، وعلم التكتيك.

أولا : علوم الأسلحة

وتشمل التعرف على أنواع الاسلحة المختلفة:

  • الأسلحة الصغيرة: وهي المصممة للاستعمال الشخصي، وتشمل المسدسات، وبنادق الخرطوش، والبنادق الهجومية، والمسدسات الآلية.
  • الأسلحة الخفيفة: وهي الأسلحة التي يمكن استعمالها بواسطة فرد واحد أو فردين وتشمل الرشاشات متعددة الاستعمالات أو الخفيفة، والرشاشات المتوسطة والثقيلة وقواذف القنابل، وقواذف الصواريخ المضادة للدبابات، والصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف، ومدافع الهاون التي يقل عيارها عن ١٠٠ملم.
  • الأسلحة الثقيلة: وتشمل باقي الأسلحة مثل مدفعية الميدان، والمدفعية ذاتية الحركة، وراجمات الصواريخ، و مدافع الهاون ذات العيار الأكبر من ١٠٠ملم والدبابات، والطائرات، والصواريخ أرض أرض وأرض جو وأرض سطح وسطح سطح وسطح جو بمختلف أنواعها.

ويمكن أيضا تصنيف الأسلحة تبعا لتخصصها، فهناك سلاح الطيران، وسلاح المدفعية وسلاح الدفاع الجوي، وسلاح البحرية، وسلاح المدرعات، وسلاح المشاة، وسلاح المهندسين. كما تُقسم الأسلحة تبعا لتأثيرها إلى أسلحة استراتيجية، وهي الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، ووسائل إيصالها من الصواريخ الباليستية والقاذفات بعيدة المدى والغواصات، وباقي الأسلحة تعتبر أسلحة تكتيكية.

وتهتم علوم الأسلحة بمعرفة كيفية عمل الأسلحة المختلفة وطرق استعمالها والتقنيات الداخلة في تصنيعها ومواصفات كل سلاح من الناحية التكتيكية والتقنية.

وهناك العديد من المصادر الموثوقة للمعاهد والمؤسسات الغربية، والكتب والمراجع الصادرة عنها تتناول معظم الأسلحة الموجودة في العالم، إن لم تكن كلها تقريبا بمختلف تفاصيلها ومواصفاتها التقنية والتكتيكية. ومن أشهر هذه المصادر كتب Jane’s التي تتناول كل نوع من الأسلحة في مرجع منفصل يتم تحديثه سنويا، أو كل بضع سنوات. فهناك مرجع للطائرات الحربية بمختلف أنواعها التي تنتجها جميع دول العالم. وهناك مرجع للمركبات المدرعة ومرجع لأسلحة الدفاع الجوي ومرجع للسفن الحربية وهكذا بالإضافة إلى دليل التعرف على الأسلحة الذي يصدره الجيش الأمريكي، والذي يتناول جميع الأسلحة في جميع دول العالم بالإضافة إلى الأسلحة الأمريكية المصدرة، كما توجد العديد من المواقع والمصادر الالكترونية التي تتناول الأسلحة ، مع مراعاة البحث في المواقع الجادة والمشهورة بمصداقيتها ودقة معلوماتها.

ثانيا : علم الاستراتيجية

هناك عدة تعريفات للاستراتيجية من أهمها:

تعريف كلاوزفيتز: التكتيك هو استخدام القوات العسكرية في المعركة، أما الاستراتيجية هي نظرية استخدام هذه المعارك لكسب الحرب.

تعريف جوميني: هي فن القيام بالحرب على الخريطة والإحاطة الكاملة بمسرح العمليات.

تعريف ليدل هارت: هي فن استخدام القوات العسكرية لتحقيق الأهداف التي وضعتها القيادة السياسية.

تعريف بوفر: هي فن استخدام القوة لتقوم بأكبر إسهام في اتجاه تحقيق الغايات التي وضعتها السياسة.

تعريف ماو تسي تونج: هي دراسة قوانين الحرب ككل.

يناقش علم الاستراتيجية العديد من الموضوعات مثل: اختيار مسرح الحرب ومناقشة التوليفات المختلفة التي يقدمها هذا الاختيار، ذكر النقاط الحاسمة في هذه التوليفات واتجاه العمليات الأكثر تفضيلا، واختيار وإنشاء القاعدة الثابتة ومسرح العمليات، اختيار النقطة المستهدفة سواء في الهجوم أو الدفاع، الجبهات الاستراتيجية وخطوط الدفاع وجبهات العمليات، اختيار خط العمليات المؤدي إلى نقطة مستهدفة أو إلى جبهة استراتيجية في عملية محددة، ما هو أفضل خط استراتيجي، والطرق المختلفة اللازمة لاحتواء جميع الاحتمالات الممكنة، قواعد العمليات اللاحقة والاحتياطي الاستراتيجي، مسير الجيوش باعتبار طرقها ووسائلها، والعلاقة بين أماكن المستودعات ومسيرة الجيش، والتقسيمات الفردية وتجزئة القوات .

هناك أيضا بعض النقاط ذات طبيعة مشتركة بين الاستراتيجية والتكتيك مثل: المفاجأة   – الانسحاب – عبور الموانع المائية – العمليات في الجبال – الإنزالات، وغيرها، فهذه النقاط يرجع كيفية أدائها إلى علم التكتيك، أما المبدأ والتنظيم فيرجع إلى علم الاستراتيجية.

يناقش أيضا علم الاستراتيجية موضوعات مثل العلاقة مع المستوى السياسي، وتأثير الأوضاع السياسية والعلاقات الدولية على العمل العسكري والعلاقة بينهما، وتأثير وعلاقة موضوعات مثل الاقتصاد والاجتماع  والتقنية على العمل العسكري والأمور الاستراتيجية الأخرى.

حدد كلاوزفيتز عناصر الاستراتيجية كالتالي:

  • معنوية: الصفات والتأثيرات العقلية والنفسية.
  • مادية: حجم القوات المسلحة وتشكيلها وتسليحها.
  • رياضية: خطوط وزوايا العمليات.
  • جغرافية: تتضمن تأثير الأرض.
  • إحصائية: الإسناد والإدامة.

إذن فعلم الاستراتيجية يناقش  كيفية التخطيط للحرب ككل، وسبل تحقيق القائد للنصر في الحرب.

أبرز كاتبين وضعا أساس علم الاستراتيجية في العصر الحديث، هما كارل فون كلاوزفيتز وهنري جوميني، وهما من معاصري حروب نابليون بونابرت، ويضاف إليهم ثلاثة يعتبروا من أهم من كتبوا في اسس الاستراتيجية في القرن العشرين وهم ليدل هارت، و أندريه بوفر، و ج.ف.س. فولر.

ويمكن تصنيف الكتب التي تتناول علم الاستراتيجية إلى ٣ أقسام:

النوع الأول: وهو الذي يتناول المبادئ والقواعد الشاملة لعلم الاستراتيجية،  وأهم هذه الكتب: «عن الحرب» للبروسي كلاوزفيتز – «مختصر فن الحرب» للجنرال الفرنسي ثم الروسي جوميني (ليس له علاقة بكتاب صن تزو) – «تاريخ الاستراتيجية» و«نظرية التقرب غير المباشر» لليدل هارت الإنجليزي – «مقدمة في الاستراتيجية» لبوفر.   

النوع الثاني : وهي الكتب التي تتكلم عن قضية أو موضوع واحد من مواضيع الاستراتيجية، مثل الكتب التي تتناول استراتيجية الحروب .في ساحة معينة مثل الجبال أو الصحراء أو التي تتناول اللوجستيات وهكذا

النوع الثالث : الكتب التي تدرس حربا معينة أو حروب معينة من الناحية الاستراتجية مثل الدراسات التي تناولت حروب الخليج مثل الحرب الصليبية الثامنة للفريق سعد الشاذلي أو غيره من الكتب أو التي تناولت حرب لبنان أو الحروب العالمية وغيرها، وتعتني تلك النوعية من الكتب باستخراج الدروس الاستراتيجية عبر نماذج تطبيقية .

والاستراتيجية هي أعلى سلم العلم العسكري، ولذا حتى يمكن تصور موضوعاتها وفهمها بشكل سليم وتحقيق الاستفادة منها بشكل كامل لابد من أن تكون معرفة الدارس وخبراته في علوم الأسلحة والتكتيك على مستوى مناسب يؤهله لدراسة واستيعاب العلم بشكل حقيقي.

ثالثا : علم التكتيك

وقد قسمه جوميني إلى قسمين وهما:

أولا : التكتيك الكبير ( المستوى العملياتي):
وهو فن تحريك القوات على أرض المعركة وتنظيمها وترتيبها والتعامل مع  أحداث القتال على الأرض.

ويعنى هذا العلم بمهام قادة الفرق والألوية في الجيوش، والذين يتولون مسئولية القيادة الميدانية في أرض المعركة وكل ما يتعلق بكيفية أداء الدور المنوط بهم يندرج تحت هذا القسم.

وهذا الصنف كما تقدم به بعض الموضوعات المشتركة مع الاستراتيجية مثل المفاجأة والانسحاب والقتال في الجبال و عبور الموانع المائية وتأثيرها على المعارك والإنزالات البحرية والجوية وغير ذلك من الموضوعات. وقد تقدم أن المبدأ والتنظيم لهذه الأمور تناقشه الاستراتيجية والأداء نفسه يرجع إلى التكتيك .

وأيضا مستوى القيادة و المعارف المطلوبة مختلف كليا فقيادة فرقة أو لواء في جبهة محددة ولمهمة محددة تختلف كليا عن مستوى الاستراتيجية التي تخطط للحرب ولمسرح الحرب ككل وتتناول كل الجوانب التي تقدم ذكرها .

ثانيا : تكتيك الأفرع المختلفة للقوات المسلحة (المستوى التكتيكي):

هو ما يقصد به كيفية أداء الوحدات الأصغر من الأفرع المختلفة لمهمتها بشكل متخصص، مثل تكتيك المدفعية الذي يُقصد به كيفية ترتيبها وتحركها والمناورة بها وكيفية ترتيب الرمي وكثافته وشكله وكيفية التوجيه و أساليبه واستعمالات كل ذلك في مختلف ظروف المعركة، وتكتيك القوات الجوية الذي يُقصد به كيفية المناورة بالطائرات وترتيب وشكل الطيران للمهمات المختلفة و كيفية استعمال الأسلحة الجوية والأسلوب الأمثل لاستخدام كلا منها في ظروف المعركة المختلفة. تكتيك المدرعات والذي يُقصد به كيفية ترتيب وتنظيم الدبابات والتحرك بها في الهجوم أو الدفاع و أشكال المناورة المختلفة في مختلف الظروف والاستخدام الأمثل لها ولأسلحتها في ساحة المعركة. وكتكتيك المشاة (أحيانا يُسمى التكتيك العام في مقابل التكتيك الخاص للأفرع، لأن المشاة هم أصل الجيش والمعركة) ، ويُقصد به جميع مهام المشاة بداية من التمركز والانتشار والمسير والترتيبات المختلفة في الهجوم والدفاع وأساليب الكمائن والاغارات بشكل عام. فالقوات الخاصة هي نخبة المشاة ولذا تكتيكاتها تعتبر تطوير بمستوى أعلى لتكتيكات المشاة مع اختيار أفضل الأفراد لأدائها. وهكذا أيضا هناك تكتيك خاص لقوات الدفاع الجوي المختلفة وللقوات البحرية و لباقي الأفرع و تندرج جميع المعارف فيها تحت التعريف السابق ذكره وهو كيفية أداء المهمة بشكل متخصص بالنسبة لكل نوع وفرع من القوات.

وفي الأصل فإن علم التكتيك يدرس من كتب دليل الميدان التي تصدر عن الجيوش النظامية، ومع عصر ثورة المعلومات أصبح هناك العديد من الكتاب خصوصا الأجانب الذين يصدرون كتبا تتناول التكتيك الخاص بكل فرع من القوات.

بعد هذه الاطلالة على أقسام العلوم العسكرية يتبقى لنا إدراك أن المعارف المطلوبة لكل شخص تختلف باختلاف رتبته وامكانياته وموقعه فهناك مقولة معتمدة تقول (إن كل قائد جيد هو جندي ممتاز وليس العكس) فالجندي الممتاز لكي يصبح قائد لابد من امتلاكه لشيئين وهما:

سمات شخصية: مثل الشجاعة والثبات، وهدوء الأعصاب، والقدرة على اتخاذ القرار في كل الظروف، وتحمل الضغوط المختلفة، وعدم التأثر بها، وهذه السمات الشخصية يمكن أن تكون فطرية وتُنمى بالممارسة أو تُكتسب عن طريق الخبرة.

سمات فكرية: مثل الذكاء بمجالاته، وأنواعه والعلم العسكري والبديهة واليقظة وملاحظة التفاصيل والربط بينها. وهذه السمات أيضا يمكن أن تكون فطرية تُنمى بالدراسة، ويمكن أن تكون مكتسبة عن طريق التعلم.

اختلف العديد من المنظرين حول الصفات اللازمة للقائد، هل هى فطرية تماما لا يمكن اكتسابها على الإطلاق بل تنميتها وفقط؟ أم يمكن اكتسابها بالتعلم والممارسة والخبرة؟ ومما لا شك فيه أنه حتى في طريق الاكتساب لابد من وجود أصل الصفة ولو بنسبة قليلة حتى يمكن أن تظهر في الشخص.

ولابد أيضا أن ندرك اختلاف مستويات القيادة، وبالتالي ليس كل القادة يصلحون لجميع المستويات، فهناك قادة بارعون في مستويات القيادة الصغرى على مستوى الفصائل والسرايا والكتائب، ولكن لا يستطيعون تولي قيادة فرقة أو لواء يتولى جبهة كاملة أو معركة مستقلة. وأيضا هناك من القادة من يكون بارعا على  المستوى العملياتي، ولكن لا يصلح للقيادة على المستوى الاستراتيجي والقيادة العليا.

هناك نقطة أخرى هامة وهي التفريق بين المتخصص في العلوم العسكرية سواء كان جنديا أم ضابطا، وبين المثقف فهناك اختلاف بين الدور والعلم والمعرفة والأداء بين المثقف في الشؤون العسكرية الذي يكون مهتم بالقراءة والإطلاع في العلم والعسكري بشكل عام ومتابعة الشؤون العسكرية ويكون دوره  نشر الاهتمام والوعي وبيان أهمية الدور العسكري، وبين الضباط والجنود الذين يملكون التجربة الحقيقية والمعرفة والعلم المتخصص والمفصل، وأدوارهم التي يؤدونها سواء في القتال أو في التدريس والتدريب والإعداد.

أخيرا بعد كل ما ذكرناه، فلينظر الراغب في دراسة العلوم العسكرية ما هو هدفه وغرضه من الدراسة، وما هو دوره المفترض في الواقع؟.  ثم يحدد ما هي العلوم التي ينبغي عليه دراستها، وكيفية تحصيلها مع مراعاة الأمور المشتركة في دراسة أي علم من التدرج والصبر والممارسة والهِمَّة واختيار المصادر المناسبة وغيرها من الأمور اللازمة لدراسة أي علم.


: يمكنكم تحميل المقال ملف pdf  على هذا الرابط

مدخل لدراسة العلوم العسكرية

المراجع :